محمد جمال الدين القاسمي
56
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وجه : أنّ أمرأ مثله - في مسند الإمرة المطاعة - خليق بأن يصفد لا أن يصفد ، وأن بعد لا أن يوعد . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . قال الراغب في ( تفسيره ) الباب معروف . وعنه استعير لمدخل الأمور المتوصل به إليها وقيل في العلم : باب كذا . وقد سئل عليه السلام عن زيادة القمر ونقصانه . فأنزل اللّه هذه الآية تنبيها على أظهر فائدته للحسّ ، وأبينها له . ثمّ قال : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي : بأن تطلبوا الأمر من غير وجهه . وذلك أنّه يقال : أتى فلان البيت من بابه - إذا طلب الشيء من وجهه . وقال الشاعر : أتيت المروءة من بابها وأتى البيت من ظهره : إذا طلب الأمر من غير وجهه . وجعل ذلك مثلا لسؤالهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا هو ليس من العلم المختص بالنبوّة . وإنّ ذلك عدول عن المنهج ، وذلك أنّ العلوم ضربان : دنيوي ، يتعلق بأمر المعاش - كمعرفة الصنائع ، ومعرفة حركات النجوم ، ومعرفة المعادن ، والنبات ، وطبائع الحيوانات . وقد جعل لنا سبيلا إلى معرفته على غير لسان نبيّه عليه السلام . وشريعة : وهو البرّ . ولا سبيل إلى أخذه إلّا من جهته . وهو أحكام التقوى . . ! فلمّا جاءوا يسألون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، عمّا أمكنهم معرفته من غير جهته ، أجابهم ، ثمّ بيّن لهم أنّه ليس البرّ ترك المنهج في السؤال من النبيّ ما ليس مختصا بعلم نبوّته . ولكنّ البرّ هو مجرد التقوى : وذلك يكون بالعلم والعمل المختصّ بالدين . وقال أبو مسلم الأصفهانيّ : المراد من هذه الآية ، ما كانوا يعملونه من النسيء . فإنهم كانوا يخرجون الحجّ عن وقته الذي عينه اللّه له . فيحرمون الحلال ويحللون الحرام . فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحجّ وشهوره . وأمّا ما رواه البخاري « 1 » وغيره عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء رضي اللّه عنه يقول : نزلت هذه الآية فينا . كانت الأنصار إذا حجّوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها . فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه . فكأنه عيّر بذلك ، فنزلت وَلَيْسَ الْبِرُّ . . . الآية . فالمراد ، من نزولها في ذلك ، صدقها عليه
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العمرة ، 18 - باب قوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها .